الفكر الكربلائي

الفِكْرِ الكَرْبَلائِي

نَهْجُ الحَق وَنَهْجُ البَاطِلِ خّطانِ مُتَوَازِيَان

 

 

نَهْجُ الحَق وَنَهْجُ البَاطِلِ خّطانِ مُتَوَازِيَان

 

في هذا البحث سوف يدور الكلام حول بيان النهج الآخر الذي يأتي في الجهة المقابلة لنهج الخير، وهو نهج الباطل المرافق لنهج الحق عبر الزمن.

وإن تفكير البشر وطريقة تعاطيهم مع مختلف المسائل لم يكن يوماً بلون واحد ولم ينحصر في طريقة معيَّنة إذ كان لكل فرد منهم هواه الخاص ونظرته المحددة إلى جميع الأمور.

ولولا ظهور نهج الباطل، ولولا انجراف الكثيرين في سيله العرِم لَما كنا مجبَرين على الدفاع وتَحمُّل المسؤوليات وكتابة البحوث وإصدار الكتب المعالِجة لهذا الخلل.

ولكن بما أن هناك امتحاناً للبشر، وبما أن هناك دنيا وآخرة وثواباً وعقاباً وجنة وناراً فقد كان لا بد من ظهور هذا النهج الذي استشرس وفتك في المجتمع البشري.

ومع مراجعة بسيطة لزمن بداية هذين النهجين نجد بأنهما وُلدا قبل هبوط آدم إلى الأرض، وذلك عندما امتنع إبليس اللعين بالسجود لآدم(ع) فنشأ من خلال عصيانه وتمرُّده على ربه هذا النهج الذي سار بقيادته عبر الزمن، وما زال موجوداً حتى اليوم، وسيبقى موجوداً إلى الأبد الدنيوي لأن وجوده مرتبط بوجود البشر أصحاب الأهواء المتفاوتة والأهداف المختلفة.

وبعد عملية الهبوط إلى الأرض أخذ الشيطان الرجيم يعمل بجدٍ ليتسلل إلى قلوب الناس بغية أن ينحرفوا عن جادة الحق ويلتحقوا بركب الباطل عبر التزيين والزخرفة والوسوسة الشيطانية الملغومة دائماً والتي كان في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب.

لقد استحوذ إبليس على قلب قابيل(أحد أبناء آدم) وملأ قلبه بالبغض والحسد تجاه أخيه المؤمن(هابيل) الذي قُتل نتيجة الميل النفسي نحو وسوسات إبليس، منذ ذلك العهد بدأ هذا النهجان بالتماشي مع كل جيل وفي كل مجتمع، والرابح هو الذي التزم طريقة الحق مهما كانت ظروفها ومقدماتها قاسية عليه إذ لا يوجد ثواب إلا بعد الإمتحان والبلاء لأن الجنة محفوفة بالمكاره كما ورد عن خاتم الرسل محمد(ص).

فلا يوجد عطاء من دون ثمن، ولا يمكن أن يكون هناك نتيجة من دون سبب، ولا يُعقل أن تتجرّد الحياة عن مسألة الإفتتان لأنها سنّة من سنن هذا الوجود بل هي الحكمة الأساسية من وراء خلق البشر في هذه الحياة.

إن الحياة البعيدة عن التكليف والمجردة عن المسؤوليات والفاقدة للإمتحان والعمل هي في نظر الله تعالى لغوٌ لا طائل منه، وقد تنزَّه رب العالمين عن ذلك، بل إنه تعالى أشار إلى هذه الحقيقة في العديد من سور كتابه المجيد حيث قال في سورة الأنبياء(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ){الأنبياء16/18} وقال سبحانه في سورة الدخان قال عز وجل(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ){الدخان38/39} وفي سورة التوبة(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ){التوبة/105} وفي سورة الكهف(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا){الكهف/31}

نأتي الآن إلى ربط هذا الموضوع بفكر الإمام الحسين(ع) ونهجه المبارك، فقد رسم الإمام الحسين بن علي(ع) بثورته في كربلاء التي كان ثمنها المادي غالياً نهجاً قويماً مستقيماً عظيماً يوجد في اتّباعِه نوعٌ من المشقة، ولكنه يُختتم بسعادة كبرى لا تضاهيها سعادة في هذا الوجود.

لقد أصبحت أفكار هذا النهج مقبولة بشكل واسع في الموازين الإنسانية والدينية والثورية العامة، إذ لا توجد منطقة من هذا العالَم الواسع إلا وفيها رائد من روّاد الفكر الحسيني والنهج الكربلائي، وهم يتعرضون دائماً للعديد من الضغوطات التي تُفرض عليهم ممن حولهم من الحكام والأفراد، فلم يوجد رائد من رواد هذا الفكر في مكان إلا ويوجد في المقابل آلاف من الذين يُبغضون نهج الحق إما لجهلهم بجوهره وإما بسبب عنادهم وتأثّرهم بالأهواء.

ولا أريد أن أتحدث عن كلا النهجين فيما سبق عهد الثورة الحسينية إذ لا يمكن أن ينتهي البحث فيها لا بكتاب ولا بعشرات المجلدات بسبب كثرة الشواهد وتعدد النماذج، ولكنني أريد أن أركز فقط على تلك المرحلة بل على وقت قصير من ذلك العهد الذي اجتمع فيه نهج الحق متمثلاً بالإمام الحسين(ع) والقلة التي اتبعته، ونهج الباطل المتمثل بيزيد وبالكثرة التي اجتمعت حوله على بُغْض آل الرسول(ص).

وما نريد أن نكشف عنه في هذه العبارات القليلة هو أنه كما رسم الإمام الحسين(ع) نهج الحق بدمه الزكي وقلبه المفعم بالإيمان فكذلك رسم يزيد ابن معاوية نهج الباطل عن طريق الظلم والجور وسفك الدماء وإرعاب الكبار والصغار والإعتداء عليهم بشتى أنواع الظلم.

فنهج الإمام الحسين(ع) نهج متين وكريم، ولكنه في ذات الوقت طريق صعب محفوف بالمخاطر وبالتهديد المستمر والإتهام الباطل والإدعاء الكاذب من قِبل المعاندين للحق.

ونهج الحسين(ع) رغم صعوبته إلا أنه ينتهي بالسعادة الأبدية، أما نهج يزيد فهو سهلٌ للغاية ولكن العاقبة من ورائه وخيمة إذ يوصل أهله إلى الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي.

وهذان الطريقان متنافران ومتضادان ومتناحران لا يمكن أن يجتمعا لحظة أو يتفقا مرة لأن أحدهما موجود في اتجاه معاكس لاتجاه الآخر.

ولا تصح الإزدواجية في سلوكهما لأن الإنسان إما شاكر وإما كافر، ولا يكون شاكراً وكافراً في ذات الوقت، فالذي يدعي ذلك(أي إمكانية الإجتماع هنا) فإنه يحاول أن يضلّل الرأي العام ويبرّر أخطاءه وانتماءه لنهج الباطل، فهو يريد أن يربح الآخرة من دون أن يدفع الثمن، ولا يحب في نفس الوقت أن يخسر الدنيا، وهذا منطقٌ مرفوض في عالَم الدين والقيم والمبادئ.

 

الفَرْقُ بَيْنَ الثَّوْرَةِ وَالمَعْرَكَة

 

تارة يخوض الإنسان ثورة بحجم معيَّن، وتارة أخرى يخوض معركة في زمان ومكان خاصّين، وإن نظرة الناس إلى مفهوم المعركة يختلف عن نظرتهم إلى مفهوم الثورة، إذ أنهم يفرّقون بينهما في العديد من المواضع.

وكما أن هناك اختلافاً في النظرتين لكلا الأمرين فكذلك يوجد تفاوت بين نظرة وأخرى لمفهوم المعركة فقط أو لمفهوم الثورة فقط.

هناك معارك لا يُمكن أن تُبرّر بأي شكل من الأشكال، وهناك ثورات مرفوضة من أساسها، والسبب فيه يرجع إلى قيمة أهدافها وأسلوب فرْضها أو كيفية تنفيذها وتحقيق أهدافها.

فقد تكون المعركة دفاعاً عن النفس أو انتقاماً من فئة أو مجرد اعتداء على مجموعة من الناس أو ورقة ضغط لتحقيق بعض المطالب الخاصة.

وقد تحمل الثورة نفس الأهداف بغض النظر عن كونها تستدعي حدوث معركة عسكرية أو لا، إلا أن النظرة العامة للثورة تكون بشكل إيجابي في الأغلب، أما النظرة للمعركة فإن الذي يسبق إلى الأذهان بالتبادر إنما هو الأمر السلبي حتى يثبت العكس.

وهذه النظرات المتعددة كانت موجودة لدى كثير من الناس عند معركة كربلاء وبُعيد انتهائها بقليل حتى ذاب الثلج وظهر المرْج وبانت الحقيقة وكُشفت النوايا وسقطت الأقنعة.

وبعد تلك المقدمة أقول: هناك فرق بين ثورة الإمام الحسين(ع) ومعركة كربلاء التي كانت جزءاً تنفيذاً من تلك الثورة وليست هي الثورة كلها لأن ثورة الإمام(ع) قد بدأت قبل معركة كربلاء بوقت طويل، وليست المعركة سوى جزء من الثورة التي بدأت قبل المعركة واستمرت بعدها وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر، وقد تحقق حتى الآن الكثير من أهداف تلك الثورة التي كانت تلك المعركة المباركة إحدى طرقها بل هي أبرز عنوان من عناوينها لأن المعركة على أرض الطف هي التي كشفت عن الثورة وبيّنت العديد من أهدافها، ولذا فإن من كان حاضراً في ساحة تلك المعركة عرف في يومها الكثير مما كان خفياً عنه قبل ذلك، وهذا ما دفع بالبعض إلى تغيير رأيه في الحكم القائم وآثر الموت مع الإمام الحسين على الحياة في ظل الحكم الأموي اليزيدي الظالم.

وبمعنى آخر: فإن معركة كربلاء حصلت بسبب الثورة وليس العكس، فلم تكن المعركة انطلاقاً للثورة التي كانت قائمة قبلها، بل يمكن القول بأن المعركة أحدثت انطلاقة ثانية للثورة فشحنتها أكثر وأضفت عليها القوة والعزيمة وأكدت بأن الثورة قد تستلزم البذل من الثوار، وأن هذا البذل قد يكون كبيراً إلى أقصى الحدود.

وبمعنى ثالث أوضح من المعنيين الأوليين فإن لثورة كربلاء ثلالث مراحل:

الأولى: مرحلة التأسيس والتي دامت سنوات وشارك فيها النبي وعلي وفاطمة والحسن(ص) أيضاً.

الثانية: مرحلة التنفيذ للجانب العسكري من الثورة وهو ما حدث على أرض كربلاء في العاشر من شهر محرم الحرام عام إحدى وستين للهجرة.

الثالثة: وهي مرحلة الإكمال والمتابعة من النقطة التي أوصلها إليه الإمام الحسين(ع) وقد بدأت هذه المرحلة من عصر العاشر من المحرم في ذات السنة.

وبمعنى رابع: إن المعركة العسكرية بدأت وانتهت في نفس اليوم، أما الثورة فقد بدأت قبل المعركة ولم تنتهي حتى هذه اللحظة لأن الأهداف التي حملتها ثورة كربلاء تصلح للتماشي مع كل جيل وزمن عبر التاريخ.

فمفهوم الثورة من أوسع المفاهيم العامة إذ أنه يشمل الثورة الفكرية والثورة العلمية والسياسية والإقتصادية والدينية وغير ذلك مما توفرت فيه مقوماتها.

 

إِجْمَاعُ الأُمةِ عَلَى قَتْلِ النهْج القَوِيْم

 

يشير الكتاب العزيز إلى حالة نفسية تعتري الأكثرين من البشر أمام المواقف المصيرية فتلقي في قلوبهم الرعب وتُنسيهم الواجبات المفروضة مع أن خطر الإلتزام بالأمر الإلهي أقل ألماً وأدنى خطراً من الإمتناع عن تنفيذه والتزام البيوت، وفي الساحة من يقاتل من أجلهم وهو وحيد رافقته قلة قليلة من المؤمنين الخُلَّص.

قال سبحانه وتعالى(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)

قد يكلّفنا الجهاد شيئاً من الدماء والأموال إلا أنه يعود علينا بما هو أثمن من ذلك، ولا شك بأنه سوف يعود علينا بالجنة بعد الموت وبالعزة قبله وبالحياة الكريمة القائمة على أسسها الطبيعية.

كثير من الناس خافوا من الموت على أيدي الظالمين فآثروا البقاء في البيوت هرباً من الموت الذي قد ينزل بهم قبل أن ينزل بمن هم في ساحة القتال، قال تعالىفي سورة آل عمران(يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)

كلنا ميتون عاجلاً أم آجلاً، ولكن الرابح هو الذي يصنع بموته حياة عزيزة لأمته وسعادة دائمة لنفسه، أما الخوف من مواجهة الباطل فهو الموت الذليل الذي ينتهي بصاحبه نحو الشقاء، ولقد أحسن الشاعر حيث وصف الموت بقوله:

إذا غامرت في شرف مروم          فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير            كطعم الموت في أمر عظيم

وهذه الروحية المنحطة هي التي سيطرت على أفراد الأمة في عهد الإمام الحسين(ع) ولا أريد أن أظلم هنا أحداً حيث انقسم الناس آنذاك إلى فرق عديدة:

فرقة كانت تعلم بما يجري ولكنها تقاعست عن نصرة الحق.

وفرقة لم يكن لديهم أدنى فكرة عما يجري بل علموا بالحادثة بعد وقوعها، وهؤلاء بعد المعركة انقسموا إلى فرقتين: فرقة تابعت المسيرة وثارت ضد الظلم، وفرقة استمرت في التقاعس عن القيام بالواجب.

وفرقة علموا بالأمر فقاموا بالواجب وبذلوا أرواحهم في سبيل الحق، ولنا وقفة طويلة حول بيان هذه الأقسام في بحوث لاحقة إن شاء الله تعالى.

ولكن غاية ما أريد بيانه الآن هو أن غالبية الأمة شاركت في تلك الجريمة التي تكونت من جرائم عديدة، لأن نفس الإمتناع عن نصرة الحق جريمة، والوقوف في وجه الحسين وأصحابه جريمة، والإستمرار في هذا الغي جريمة.

الذين واجهوا الإمام الحسين وأصحابه في الساحة بلغ عددهم ثلاثين ألفاً، ولكن كان يوجد خلف هذا العدد عدد أكبر، وهم جميع الذين وقفوا من الأمر موقف المتفرج.

والخلاصة أن الذين قتلوا الحسين كانوا ثلاثين ألفاً وأما الذين قتلوا نهج الحسين فقد تجاوز عددهم عشرات الملايين قديماً وحديثاً.

 

المُبَادَلَةُ العَادِلَةُ

 

عندما خلق الله عز وجل هذه الحياة جعل لها أنظمة تكوينية دقيقة، وأنظمة تشريعية وأخلاقية وإنسانية ليحافظ بهذين النظامين على استمرار الحياة وتطوُّرِها وازدهارها.

ولن يكون هناك استمرار للحياة أو تطويرٌ لها إلا من خلال التعاون فيما بين العقلاء، وقد خصّصت العقلاء بالذكر لأن هناك تعاوناً غرائزياً تكوينياً قد جعله الله تعالى في غير أهل العقل ليكون ذلك اختباراً لنا من جهة، وحجة علينا من جهة ثانية، وتوجيهاً لنا نحو ما يَعْمر به هذا الكون وما تزدهر به الحياة.

فلو نظرنا إلى التعاون القائم بين المجموعات الحيوانية على اختلاف أنواعها وأصنافها لوجدنا أن هذا التعاون الغرائزي هو السبب في استمرارهم قروناً من الزمن إن لم نقُل ملايين السنين.

وقد أمر الله عز وجل جميع عباده بالتعاون على الخير لأنه الأساس في تكوين المجتمع وبناء روح التواصل فيما بينهم حيث قال سبحانه(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)

ونلاحظ بأن التعاون على البر والتقوى هو مفهوم إسلامي وإنساني واسع وغير محدود لأن ضروب الحلال في الحياة أكثر بمراتب من ضروب الحرام، والتعاون على البر والتقوى لا يختص بالصلاة والصوم والحج والزكاة، بل هو شامل للكثير من الأعمال الإنمائية والتربوية والأخلاقية والسياسية والعسكرية والعقائدية وغير ذلك مما لا يستمر إلا بالتعاون والمبادلات العادلة المبنية على الأخذ والرد.

فالحِرَفُ والصناعات والبناء وتأسيس الشركات والمؤسسات لا يمكن أن يتم بجهدٍ فردي بل بمساعدة الآخرين ومشاركاتهم الفعلية على الأرض، وعليه جاء المثل الشعبي(يدٌ واحدة لا تُصفِّق)

فمن عمِل معك عملاً حسناً فعليك أن تشكر له عملَه، وهذا ضربٌ من ضروب العدالة التي يأمر بها رب العالمين تعالى، وهي الطريقة التي يتعامل بها مع عباده، فمن آمن وعمل صالحاً كان له الجزاء الحسن، ومن أساء وبادر إحسان ربه عليه بالتمر والعصيان كان مصيره سيئاً وعاقبته وخيمة.

قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز(هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)

ورغم قلة هذه الكلمات وصِغَر حجم العبارة إلا أن المعنى من ورائها أكبر مما نتصور وهذه قاعدة سنَّها الإله العظيم لتكون ميزاناً بين أفراد البشر، وهي قاعدة تلتقي مع موازين العقل السليم ومشاعر النفوس الزكية بغض النظر عن كون صاحبها متديناً أو غير متدين.

وقد فُطر الناس على ذلك، فمن خالف هذه الفطرة فقد عمل بعكس طبيعته، ولا يخالف الفطرة السليمة إلا المطيع للشيطان الرجيم.

وهناك مصدران لا ثالث لهما يرجع إليهما البشر في الأمور التشريعية لأن الأمور التكوينية محصورة في الخالق سبحانه وتعالى الذي هو المصدر الأول من هذين المصدرين، وأما المصدر الثاني فهو الشيطان الغوي، والإنسان في حياته هذه إما أن يطيع الله تعالى أو يطيع الشيطان الرجيم، وقد رسم الله لعباده طريقاً إليه وألزمهم ببعض التكاليف أمراً ونهياً، فمن التزم تلك الشريعة كان مطيعاً لله عز وجل، وأما من انحرف ولم يلتزم كان مطيعاً للشيطان الرجيم وإن أنكر ذلك، فلو أنكر بلسانه مئة مرة وكانت ممارساته مخالفة للإنكار لم ينتفع بإنكاره.

ولقد أمرنا ربنا سبحانه بأن نبادل الإحسان بالإحسان ونردّ السيئة بالإحسان أيضاً عملاً بقوله الكريم(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) فإذا كان الأمر الإلهي يحكم برد السيئة بالإحسان، فكيف إذا كانت المبادلة بين الإحسان والإحسان؟

ومنذ أن خلق الله البشر أودع فيهم شعور حب المبادلة العادلة، ومن هنا كان ردُّ الجميل بالجميل من صفات الإنسانية الراقية، وردُّ الجميل بالأجمل منه من صفات الإيمان حيث علّمنا ربنا سبحانه وتعالى في العديد من المواضع القرآنية كيف نواجه الإحسان بما هو أحسن منه، وقد حثنا على ذلك مراراً مبيّناً لنا أن ثواب الحسنة مضاعف، وأن للإحسان منفعة للمحسن على مستوى الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فمعلومٌ أن أجر الإحسان هو الجنة التي فاق نعيمها كل إحسان وعملٍ صالح بحيث لا يمكن أن نضع نسبة بين إحساننا في الدنيا وإحسان اله لنا في الدنيا وفي الآخرة، فالإنسان في هذه الحياة يُحسن قليلاً وقد لا يكلّفه إحسانه شيئاً من المشقة، وتراه في يوم القيامة قد أُدخل الجنة خالداً فيها.

وأما منفعة الإحسان على مستوى الدنيا فهي كثيرة وكبيرة، وقد أشار الله تعالى إلى شيء من ذلك حيث قال في محكم الكتاب الكريم(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أما دفع السيئة بالسيئة فلا يزيد الأمر إلا تعقيداً وبُعداً عن ساحة الحلول.

فالإمام الحسين بن علي(ع) أحسن إلى الأمة كلها ممن عاصره وممن أتى بعده، وما زال إحسانه لنا مستمراً حتى يومنا الحاضر، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة لأن ما صنعه كان الهدف منه الإستمرار، وقد كلّفه هذا الإحسان الكثير من المشقة والعناء والثمن الباهظ، فقد كانت ضريبة إحسانه لنا دمه ودماء أولاده وأصحابه بالإضافة إلى كل ما حصل له ولهم قبل الإستشهاد من خوف ورعب وتنكيل وتجويع وتعطيش وغير ذلك مما لا يمكن تعويضه.

فأقل واجب علينا تجاه الإمام الحسين العظيم وصنيعه الجميل هو أن نبادله إحسانه لنا بالإحسان لنا أيضاً لأن مرد إحساننا له يعود علينا حيث أننا المستفيدون من فعله دونه، والإمام(ع) يريد منا الإحسان عن طريق الإخلاص له ولنهجه القويم والمحافظة على النصر المبين الذي حققه في كربلاء، فإذا حافظنا على ثمار هذا النصر فقد حافظنا على وجودنا وضمنّا استمرارنا في هذه الحياة.

 

أَرَادَ لَنَا أَنْ نَحْيَا أَعِزَّاءَ فَقَتَلْنَاهُ

 

ي زمنٍ كان مليئاً بالظلم والجور والعادات السيئة والتقاليد القبيحة والمعتقدات الفاسدة، وفي جوٍّ من الهيمنة الجائرة في ظل الوثنية الباطلة أرسل الله تعالى خاتم أنبيائه وسيد رسله محمداً(ص) رحمة للعالَمين ونذيراً وبشيراً ومنقذاً للأمة من عاداتها القاتلة ومعتقداتها الفاسدة، وفي هذه المرة منَّ الله تعالى على البشرية بأكرم رسول وأعظم نبي وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم(ص) الذي أنار الله تعالى الحياة بوجوده أولاً وببعثه ثانياً.

قال سبحانه(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال عز وجل(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)

لقد عاش الرسول(ص) أصعب المحن وأحلك الظروف وأمرّ الأوقات في مجتمع كانت تحكمه شريعة الغاب إذ كان الكبير يأكل الصغير، والقوي يظلم الضعيف، والغني يحرم الفقير، والحكّام الظلمة يستعبدون عباد الله ويستنزفون منهم طاقاتهم وقدراتهم لغايات خاصة، وفي ذلك الزمان ارتكب العرب أبشع أنواع المحرمات حيث تجاوزوا كل الخطوط الحمر واعتدوا على الكرامات وانتهكوا الحرمات حتى ضجّ الناس من هذا الوضع القائم فأراد الله تعالى أن يرحمهم فبعث فيهم وإليهم رسوله بالهدى والقرآن وتعاليم السماء فواجهوه بشدة وأنكروا نبوته وحاربوه بشتى الوسائل واتهموه بالكذب والسحر والجنون وما شاكل ذلك حتى انتقل(ص) إلى جوار ربه مخلّفاً في الأمة أهل بيته الأطهار الذين عصمهم ربهم من الذنب ونزّههم عن العيب وجعلهم قدوة للبشر ومثلاً أعلى للحق ولكل صفة كريمة.

ولم يمضِ على رحيل النبي العظيم أيام حتى توجّه القوم بظلمهم إلى وصي رسول الله علي(ع)  وإلى روحه التي بين جنبيه والتي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها فظلموهما كما ظلموا رسولَ الله قبلهما فاعتدوا على الزهراء واغتصبوا حقها وعصروها بين حائط وباب دارها فأسقطوا جنينها المحسن وكسروا ضلعها الشريفة فتعذّبت وتألمت حتى فارقت هذه الدنيا وهي غاضبة على أكثر أفراد الأمر من مختلف الطبقات والألوان.

وكذلك وجّهوا سهامهم المسمومة إلى علي(ع) عبر سنوات طويلة ففعلوا معه وبه ما فعلوا من قبل برسول الله وابنته الطاهرة إلى أن قتلوه في مسجده في شهر رمضان المبارك.

ولم يرحموا الحسن بعدهما بل تعاملوا معه كما تعاملوا مع أبيه وأمه من قبل حتى فرّغوا كل حقدهم عليه فوضعوا له السم في طعامه فقضى سيداً لشباب أهل الجنة.

فالذين واجهوا الرسول هم الذين واجهوا علياً وفاطمة والحسن وإن تغيرت الأزمان والوجوه لأن الروحية الخبيثة التي حملها الأمويون كانت واحدة فيهم وفي أبنائهم وأحفادهم الذين أوصاهم الأجداد والآباء ببغض محمد وآله(ص).

لقد كان أهل الكساء الخمسة(ص) موجودين جميعاً في وقت واحد ثم راح يرتحل منهم واحد تلو آخر حتى لم يبق منهم سوى خامسهم الإمام الحسين(ع) الذي فُرِّغ فيه الحقد الذي أُضمر على جده وأبيه وأخيه من قبل.

لقد عاصر الإمام الحسين(ع) أعتى عتاة العصر في زمانه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الذي شكّل وجوده وحكمه الظالم أكبر خطر على الدين قبل الأمة، وأقول ذلك لأن الدين هو أساس وجود الأمة فإذا اندثرت معالمه فلا يبق للأمة أي وجود بعده، ولذا فإن المستهدَف بممارسات يزيد لم يكن أفراد الأمة بل كان دين الإسلام الذي انحصر آنذاك بالإمام الحسين(ع) وبمن تبعه من القلة القليلة.

لقد راح يزيد بن معاوية يغيّر في أحكام الدين ويجيّرها إلى مصلحته ففرض على الأمة أحكاماً هي في الواقع شيطانية، ونسبها إلى الدين باسم الدين والخلافة ورأى بأن الوسيلة الأسرع للقضاء على الدين وبالتالي القضاء على الأمة هو إفراغ الساحة من الخليفة الشرعي الذي كان البقية الباقية من آثار النبوة في تلك المرحلة، فأراد يزيد، وأراد الله تعالى، ولم يكن سوى ما أراد الله عز وجل لأنه الفعّال لما يريد.

فلم يكن باستطاعة يزيد أن يأمر باعتقال الحسين(ع) وقتله على مرأى ومسمع من الأمة عموماً ومن بني هاشم خصوصاً وإن كان فعل ذلك قبل أن يغادر الإمام الحسين مدينة جده حيث أعمى الحقد والكره قلب يزيد فجعله لا يبالي بالعواقب التي سوف تنتج عن فعلته.

فتبادل الرسائل بينه وبين الإمام فلم يجد الإمامَ هيناً ولا هو لقمة سهلة، فقرر حينئذٍ أن يعتقله ويجبره على المبايعة أو الموت.

والجدير بالذكر هو أن الذين أعانوا يزيداً على الإنتقام من أهل بيت النبوة هم الذين أحياهم الرسول بعد موتهم وبثّ فيهم تعاليم السماء ونقلهم من ظلمات الكفر والجهل إلى أنوار العلم والهداية وما به تُنال السعادة في الدنيا والآخرة.

والنتيجة كانت أن الأمة قتلت مَنْ أحياها وناصَرَت من أمَاتها ودَفَن قيمها ومبادءها.

 

الشيخ علي فقيه

 

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى